
بقلم: أمل جمعة
عين جريوت هي عين ماء قديمة جدّاً، تقع على بعد 2.5 كم غربي مدينة بيتونيا. هي أكبر العيون في البلدة، مياهها لا تنقطع طوال العام، أقيم بجانبها مسجد ولا تزال آثار خربة جريوت التي يعود تاريخها لزمن الكنعانيين قائمة حتى الآن. تتجمع مياهها في بركة أثرية تبلغ سعتها حوالي 150 مترًا مكعباً، ويستفيد منها المزارعين في ريّ حقولهم المجاورة.
يمتدُ مسار العين في وادي جريوت بدأً من بيتونيا، ماراً ببيت عور الفوقا وبيت عور التحتا وصفّا وحتى قضاء الرملة، مروراً في قرى شلتا والمدية والحديثة والسافرية، وينتهي بنهر العوجا جنوب الشيخ مؤنس (9 كيلومتر شمال مدينة يافا) الذي يصب في البحر الأبيض المتوسط. يردف في وادي جريوت مياه وادي الدلب الذي يبدأ في رام الله ويمر بعين قينيا وكفر نعمة وبلعين، وكذلك مياه وادي النطوف الذي يبدأ بالقرب من قرى برهام وكوبر وأبو شخيدم ويمر بالمزرعة القبلية ورأس كركر.
ذكريات وادي وعين جريوت ارتبطت بتفاصيل الحياة اليومية، فالنسوة غسلن الثياب بمياه الوادي، وشكّلت ضفتيه مكاناً للاستجمام والتنزه وتناول الوجبات في جو عائلي. تشير بعض المقابلات إلى أن الفتيات كنّ يسبحن في تجمع مائي مخصص لهن اسمه "جورة البنات"، بينما يتخذ الرجال مكاناً آخر بعيداً كمغطس لهم. وشهدت عين جريوت المنبع حدثًا تاريخاً، ففي العام 1936 لجأ إليها الثائر سعيد شقير المولود في بيتونيا في العام 1910 والذي يعدّ من قادة الثورة الشهيرة في ذات السنة، واتخذ المكان ملجأ ليختبئ به من قوات الاستعمار الانجليزي الذين حاصروه في المنطقة؛ وهو ما يذكّر بارتباط عيون الماء والأماكن الأثرية بتاريخ فلسطين المحكي والمعاش، ويجعل من الوادي والجبل أماكنا ليس فقط للحياة ولكن أيضاً للمقاومة والثورة.


صور لعين جريوت، في الصورة على اليمين تظهر أجزاء من الخربة. المصدر: ابتسام سليمان، صفحة "فلسطين بعيون فلسطينية"، 2019.
العام الفارق في تاريخ الوادي
بسبب التضييقات الإسرائيلية على تطوير البنية التحتية الحيوية للفلسطينيين، في العام 2010 بدأت المياه العادمة بالتدفق في وادي جريوت مع تصريفها من محطة التنقية لمدينتي بيتونيا ورام الله، والتي تقع بالقرب من معسكر وسجن عوفر الإسرائيلي (على أراضي بيتونيا)، مسببة المكرهة الصحية والبيئية المتصاعدة على امتداد الوديان من قرية بيت عور الفوقا إلى بيت عور التحتا وقرية صفّا وصولاً إلى قرية بلعين.
كانت هناك خطة من قبل السلطة الفلسطينية وكان التمويل متوفراً من خلال صناديق دولية لتوسعة محطة التنقية لتوائم حجم المياه العادمة الوافدة إليها، ولكنها جوبهت برفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي طالبت السلطة الفلسطينية بدفع ملايين الشواكل لمنح التراخيص اللازمة. في نهاية المطاف تم تحويل مسار المياه العادمة وبدلاً من أن تصبّ في القنوات التي تعبر بير نبالا والجيب وصولاً إلى غربي مدينة القدس حيث محطة سوريكا الإسرائيلية لتحلية المياه العادمة، صارت تصب في وادي جريوت، والذي يعرف أيضاً باسم وادي بيت عور. ولا يقتصر الأمر على المياه العادمة الفلسطينية، بل إن مياه المستوطنات غير الشرعية - حورون، جفعات زئيف ومعسكر عوفر - صارت جميعها تشاركُ في ضخّ المياه العادمة في الوادي.
ولا تقتصر تصرفات الاحتلال ومستوطنيه على تلويث الوادي، بل تشمل أيضاً الاعتداءات الممنهجة لطرد الفلسطينيين منه، آخرها كان في خريف 2024 عندما اقتحم خمسون صهيونياً عين جريوت وقاموا بسرقة معدات من المزارع المحيطة. تقع العين في منطقة ذات تصنيف “ج" وعلى مقربة من جدار الفصل العنصري، ولقد سبق وتعرضت لاعتداءات كثيرة من قبل قوات الاحتلال ومستوطنيه، لكن تلك المرة كان العدد كبيراً وذكّر بالتهديدات القديمة والمستجدّة بحق عين الماء، ما يؤرّق المنطقة بأكملها.
عقد ونصف من المياه العادمة في الوادي الزراعي
تقع قرية بيت عور التحتا على مجرى وادي جريوت فيقسمها إلى شقين، مما يزيد من مساحة الدمار التي تلحق بالأراضي والسكان، فيعاني مواطنوها تحديداً من الخراب الذي طال الوادي الذي كان يعدُ متنزهاً لأجيال لا تحصى من سكّانها والتجمعات القريبة، وذلك بسبب انتشار الروائح الكريهة والبعوض الذي يسبب لسعات وتقرحات وأمراض جلدية، ناهيك عن قتل النحل وغيرها من مقومات التوازن البيئي. تسرّب المياه العادمة إلى التربة أدى لإتلافها وخراب الأشجار، فتناقصت جودة الثمار، وقلّ اخضرارها، ويبسّت أشجار كثيرة مما أثّر سلباً على النواحي الاقتصادية والمواسم الزراعية. ما بين سرقة المياه من قبل الإسرائيليين والتلوث باتت مياه الوادي لا تكفي ولا تصلح للشرب أو لريّ الأراضي الزراعية أو لسقي الحيوانات، كما وتأثرت أشجار الزيتون القريبة من الوادي بشكل خاص حيث قلّت انتاجيتها وجودة زيتها بسبب تلوث المياه. وكذلك، بات وصول المزارعين إلى المناطق الزراعية لحراثتها والاعتناء بها صعباً.
كل محاولات القرى والبلدات المتأثرة من التلوث على مدى سنوات للوصول للجهات المعنية لإيجاد حلول مناسبة لقضية الوادي لم يتكلل بالنجاح، وحتى اللحظة لم يتم أخذ خطوات فعلية لحل الأزمة الجامعة. منذ وقت طويل وبلا جدوى تطالب بلدية بيت عور التحتا بلديتي بيتونيا ورام اللـه على وجه الخصوص بوقف تصريف المياه العادمة، أو مساعدة المزارعين في إنشاء جسور من أجل الوصول إلى أراضيهم بالحد الأدنى، ولقد جعلوا وادي عين جريوت أحد أبرز القضايا التي يتناولها الإعلام والمهتمون بالقضايا البيئية.
حقّ دولي ينتهك بصمت العالم
الحقّ في بيئة نظيفة وآمنة وارتباطه بشكل وثيق بالحقّ في الصحة يتميز بإلزام واضح في الوثائق الدولية، ولكن جميع الاتفاقيات المبرمة ما بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وخاصة المتعلقة بالحقّ بالمياه لا زالت حبراً على ورق ولم تنفذ منها دولة الاحتلال ولو بنداً واحداً، بل العكس. أمعنت اسرائيل في انتهاك الحقّ المائي بمئات الأوامر العسكرية وبمصادرة فعلية وسيطرة وتحكم لأكثر من85% من مصادر المياه في فلسطين، ومنها سرقة المياه الجوفية والآبار الارتوازية. في ذات الوقت، تشهد فلسطين تراجعاً في كميّات الأمطار، وتعبير السنوات "المحل" (الجافة، قليلة المطر) كما تُسمى بالدارجة الفلسطينية لم يعد ظاهرة متباعدة، وتكاد تكون مواسم الشتاء المصحوبة بالثلوج هي التي "تُعدل الميزان" من ناحية الوفرة في كميًات الأمطار. تاريخياً، الشكل المطري في فلسطين قصير المدى وتهطل معظم الأمطار السنوية خلال أربعين يوماً في كانون أول (ديسمبر) وكانون ثاني (يناير) بما يعرف في التراث الشعبي بـ “المربعانية". إلا أنّه وفي الأعوام الماضية تم ملاحظة تأخر موسم الأمطار وقلّة نسبة الهطول في بعض الأعوام عن المعدل السنوي، بالإضافة لما يواجه العالم كافةً من آثار التغيّر المناخي شديد الخطورة، حيث لا زلت فلسطين خارج الاستعداد والاهتمام بآثاره على الصعيد الرسمي والمؤسساتي والشعبي؛ ما يزيد من التحديات أمام تحصيل الحقوق المائية المستنزفة بسبب تراكمات سياسات الاستعمار المدمرة على الحقوق الفلسطينيين والتي تستغل قصر النظر السياسي الفلسطيني الذي قام في اتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات بتأُجيل البت في قضية التحكم بالمصادر المائية لمرحلة الحلّ النهائي.
الحراك الفلسطيني متواضع اتجاه قضية الحق في المياه رغم كونها من القضايا الكبرى، ويتمثل ذلك بضعف أداء البلديات والمجالس المحلية وكذلك تضارب عمل الوزارات المعنية وعدم تحديد صلاحية كلّ منها، ما جعل الحلول للمشاكل المائية وآثارها البيئة والغذائية المدمرة خارج التطبيق وقيد المستقبل. الوضع القانوني والحقوقي المعقد للفلسطينيين يزيد من صعوبة التحرك إزاء الاستيطان المائي وكذلك حماية المدن والقرى من الاقتحام ومصادرة الأراضي والمصادر المائية والتدخل السافر بشؤونهم الاقتصادية والزراعية والثقافية. ففي فلسطين تكاد تكون صكوك المليكة بلا حماية خاصة في المناطق المصنفة "ج" والقابعة تحت التهديد المستمر سواء من قبل سلطات الاحتلال أو عصابات المستوطنين، فلا قانون دولي يحمي ولا قوانين وتشريعات فلسطينية تملك اليد الطولى لمحاسبة الاحتلال. لذا يبقى الفعل الشعبي المقاوم والذي صار مرتبطاً بكل قرية أو مدينة على حدي وبشكل منفصل هو الطريق الوحيد من أجل محاولة المطالبة بالحقوق، ودفع الدمّ مقابل حماية قطعة أرض أو بركة ماء أو مجرد مساحة رعيّ صغيرة لغنمة أو بقرة، في ظل الصمت الدولي الرهيب اتجاه ما يعانيه الشعب الفلسطيني من انتهاكات وإبادة تكاد تكون بزمن الثانية، بل تكاد تطال حتى نسمات الهواء التي نتنفسها. أما صوت الأغنية التي كانت منسجمة مع مياه فلسطين وشجرها وطيرها واخضرارها، مثل "يا رايحين ع صفد صفوا لي نيتكم تلتين عمري مضى بهوى بنيتكم، حلفتكم بالنبي منين ميتكم، مَـيّـتنـا عـيــن العـَذرا شِرب الـنَّـصـراوِيَّــة"، فهل ستبقى الوديان - التي تحمل قداسة دينية ومرّ بها الأنبياء والرسل والتي حظيت على مرّ العصور بمكانة ثقافية وشعبية وغنائية - حوضاً مائياً وجغرافيا ليوميات ومستقبل المكان؟