
بقلم: أمل جمعة
غابت الوديان خلف البنايات العالية، ولم يعدّ صوتها المُنغّم يثير فرح الأطفال ليخلعوا أحذيتهم وليتصايحوا من برودة الماء وهم في طريق العودة من المدرسة إلى المنازل. في جنين جفّت عين المياه التي تتخلل المدينة، والتي كانت حتى سنوات قليلة مضت وكأنها الفاصل بين مخيم جنين للاجئين والمدينة الصغيرة التي يتوسط سوقها الأشجار، والتي أعدمت تباعاً بيارات برتقال في سبعينيات القرن الماضي لصالح بنايات تهالكت مع الزمن وصارت أشبه بالخراب.
مجرى النهر قطعه الاستعمار
"نهر المقطع" موسمي الجريان، يبدأ من المنابع الجنوبيّة في تلال فقوعة إلى الشمال الشرقي من مدينة جنين، على بعد 11 كم. تجري المياه من منابعها إلى الغرب مخترقةً مرج ابن عامر، ثم تتجمع في الشمال الشرقي لتل المتسلم، ثم تجري بشكل متقطع نحو الشمال الغربي إلى أن تصب في خليج حيفا ومن ثم في البحر الأبيض المتوسط. روافد هذا النهر الشمالية تأتي من منطقة سهل البطوف في الأراضي التي احتلت مع النكبة في العام 1948، وكذلك منطقة جبال طرعان وجبال الناصرة وشفا عمرو جنوبيّ سهل عكا.
قديماً كان للنهر أربعة روافد في منطقة مدينة جنين: عين نيني، عين الشريف، عين الحجر وعين الصفصافة. وبقيت هذه العيون غنيّة بمياهها العذبة وتنوعها الحيوي الجميل حتى خمسينيات القرن الماضي، ثم بدأت تجف وتغيّرت مساراتها بفعل الاستيطان الاستعماري الصهيوني وما له من أثر على إمكانيات وأنماط التغييرات المساحية والعمران في جنين، اليوم تملأ المياه العادمة المتسربة من مدينة جنين ومخيمها غالبية مسارات عيون المياه التي كانت حتى وقت قريب مكوناً حيوياً أساسياً في حياة الفلسطينيين/ات من سكان المنطقة.
عين نيني تنبع من تلال جنين، وتحديداً من بئر سنجب وخربة بلعمة الأثرية ذات النفق المائي والتي تتعرض للكثير من الاعتداءات الاستعمارية التي غيّرت التضاريس والأنماط البيئية وأثّرت سلباً على التنوع البيولوجي، والتي أدّت لشحّ المياه بسبب سرقتها على مدى أعوام الاحتلال من خلال الأوامر العسكرية منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
في الصورة التاريخية لمدينة جنين نرى البساتين والقناطر وبيارات البرتقال والخضرة الممتدة في سهل مرج بن عامر، وهي الصورة العامة للمدينة التي طُبِعَت ورَسَخت في الأذهان، ورَسمتها عشرات اللوحات العالمية والمحلية بمركز واحد تقريباً هو الجامع الكبير بقبته الخضراء البارزة والنخيل الباسق. تلاشت هذه الصورة تماماً، بل إن الأجيال اليافعة لا تكاد تعرف جنين كمدينة خضراء وبالكاد يستطيع سكان المدينة والمخيم رؤية السهل الزراعي الواسع، حيث منحت تراخيص البناء، ومورس الهدم في المناطق الأثرية، واقتلعت الأشجار من وسط المدينة مع بدء الانتفاضة العام 1987 أثناء فترة الحكم العسكري لجنين، ولسنوات عدّة كان الجزء من السهل القريب من أرض المطار في قرية مقيبلة الحدودية مكباً لنفايات المستعمرين الصهاينة.
رسم لمسجد جنين تظهر فيه قناطر عين نيني. المصدر: سير تشارلز ويليام ويلسون وستانلي لاين بول، مجموعة "نقوش على الخشب من فلسطين وسيناء ومصر الخلابة" (Engraving on Wood from Picturesque Palestine, Sinai and Egypt)، نشر في نيويورك، D. Appleton ، 1881-1884.

ذاكرة الماء صارت بعيدة
شهدت المدينة وتحديداً مسار عين نيني وما كان على جانبيه من قناطر وجسور ومطاحن قديمة تعمل بالماء - مثل "مطحنة الصباح" -إبادة بشكل كامل، ويكاد جيل كامل وصل الآن الستين من العمر لا يذكر الماء المتدفق في وسط مدينة جنين. كما تقول باسمة زعرور مدير عام منتدى الفكر الشبابي:” كانت المنطقة بمثابة محمية طبيعية مصغرة تعج بالأحياء التي تضفي جمالًا طبيعيًا وتنوعًا بيئيًا على المنطقة، وفي عين نيني ذكريات الطفولة التي لا تنسى. في منطقة وسط جنين كان هناك قناة من قنوات عين نيني من الأسمنت بعرض نصف متر تمر فيها مياه باردة حيث بيت صديقة الطفولة فاتنة مسعود، اذهب لزيارتها عصراً لنلعب عند القناة، نجلس نتحدث ونضحك وأرجلنا تلعب بالماء وأحياناً أخرى نرش الماء البارد لنعيش لحظات جميلة ذهبت مع الطفولة وذهبت عين نيني معها".
في خارطة فلسطين المائية تشكل الينابيع ما نسبته 10% من موارد المياه في الضفة الغربية، حيث يوجد حوالي 300 ينبوع، معدل التدفق في معظمها أقل من 0,1 لتر في الثانية. 15 كيلو متر هو المسار الطولي لعين نيني، أصبح مع الوقت ضيقاً ومسطحاً معرضاً للتجفيف وتغيير المسار والسرقة، خاصة في الجزء الواقع ضمن أراضي فلسطين التي احتلت عام 1948. بشير مطاحن، مدير العلاقات العامة في بلدية جنين، يشير إلى أن مجرى عين نين داخل حدود البلدية أصبح قناة لتصريف مياه الأمطار، حيث يتم ترميم سنوي للعين وصيانة دوريه للمسار لجمع مياه السيول، ويشير أن العديد من البنايات أقيمت في السنوات ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو، وأن منح التراخيص منذ إنشاء السلطة الفلسطينية يتم بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار مع مراعاة الحفاظ على مسار الماء.



صور لعين نيني في جنين تظهر فيها بعض مما تبقى من القناطر التي كانت سابقاً تخدم توصيل المياه، وبقايا من "مطحنة الصباح" المائية.المصدر: خالد أبو علي 2020.
المكان بلا صوت والعين بلا زائرين
الواقع الحالي لعين نيني والمدينة يبدو أشد تعقيداً وفوضى، خاصة مع تعاقب تعرض المدينة للاقتحامات والاجتياحات وفوضى البناء المخالف للقوانين، حيث وخلال العشرين عام المنصرمة شهدت محافظة جنين حالة متصاعدة من البناء أدّت إلى استنزاف 20% من الأراضي عالية الخصوبة. تشير بلدية جنين في وثيقة الخطة التنموية للسنوات الأربع (2023 – 2026)إلى هدف واسع وكبير: "مدينة جميلة عصرية منظمة، آمنة ومنيعة وصامدة أمام الأخطار والكوارث المحتملة، مزدهرة ذات أصالة عريقة وواعدة". وفي كل كلمة من هذا الهدف تكمن كتلة من التحديات تكاد تكون مستحيلة التطبيق، خاصة الصمود أمام الأخطار والحفاظ على الهوية المكانية للمدينة. فما فُقِدَ بمرور الزمن بفعل الاستعمار الصهيوني (جنين كمدينة سجّلت طوال عقود الاحتلال بؤرة ثورية ونضالية جعلتها عرضة للتخريب والتدمير) وكذلك الإهمال المحلي كبيرٌ جداً وقد أزال عين نيني من هوية المدينة البصرية والمعاشة، ودمّر ما كانت عليه من مسارٍ للجلوس والتواصل الاجتماعي والتمتع بالمياه والاستفادة منها.
مدينة جنين بعيدة عن البحر الذي مُنع الفلسطينيون من الوصول اليه منذ العام 1994، وبالكاد يجد سكانها مكاناً مائياً للهو والمرح، مخالفةً بذلك معنى اسمها التاريخي والمنحوت من كلمة الجنائن وعيون الماء و"عين جانيم" في الكنعانية القديمة، وهو ما يعدُّ تغييراً جذرياً في طبيعة المكان الزراعي بنسبة 80% ومحو للذاكرة البصرية الخضراء للمنطقة السهلية، مع الخطر الأكبر المتمثل في فقدان المدينة لصبغتها الزراعية والقطاعات الإنتاجية المرتبطة بتصنيع المواد الغذائية. كمثال، اشتهرت جنين عبر التاريخ بزراعة البطيخ، ولكنها علامة قيد الفقدان مع تذبذب مياه الأمطار وشحّ مياه الينابيع بسبب الاستعمار المائي الذي استولى أيضاً على المياه الجوفية ويمنع الفلسطينيين من حفر الآبار الارتوازية أو التحكم بمصادرهم المائية. السياسات الإسرائيلية المائية التمييزية تكرّس سيطرة المستعمرين على أكثر من 85% من المصادر المائية في الضفة الغربية، مما جعل جنين تعيش عطشاً تاريخياً أمسى خلال العامين المنصرمين خطراً مدقعاً مع التدمير الممنهج للبنية التحتية لشبكة المياه في المدينة والمخيم، وردم وتفجير عشرات الآبار الزراعية في القرى خلال الأعوام العشرة المنصرمة.
لأقعد ع راس الجبل وأشرف على الوادي وأقول يا مرحبا نسّم هوا بلادي
عند المدخل الجنوبي لمدينة جنين يمر وادي عين نيني بمنطقة النباتات وهي التسمية التي أُطلقت بسبب التنوع الكبير لمكونات الغطاء النباتي بها. كانت المياه تغمر تلك المنطقة خلال موسم الشتاء، مما خلق بيئة طبيعية خصبة تعج بالأسماك والبرمائيات والمفصليات المائية مثل السلطعون. كانت المنطقة بمثابة محمية طبيعية مصغّرة تعج بالكائنات الحيّة التي أضفت جمالًا خلّاباً وتنوعًا بيئيًا على المنطقة.
فيضان عين نيني 1950 في منطقة النباتات. المصدر: ستوديو رزان، جنين.


تغيير التضاريس البيئية من قبل المستعمرين وسرقتهم للأراضي وفرضهم التضييق على مدينة جنين وأسس الحياة فيها مثل البنى التحتية جعل وادي عين نيني معرضة للتلوث، إذ تختلط مياهه العذبة بمياه الصرف الصحي من المدينة ومخيمها، ما أنتج عواقباً وخيمة على البيئة المحلية ويهدد الحياة البرية على امتداد وادي المقطع. كما تقول باسمة زعرور، تعاني عين نيني ومحيطها من تدهور كبير بسبب ازدياد التلوث، مما أدى إلى تراجع الحياة الطبيعية في المنطقة وفقدان الكثير من مقومات ومكونات التنوع الحيوي الذي كان سِمتها المُمَيّزة. يحتاج وادي عين نيني إلى اهتمام أكبر ومستمر من قبل المؤسسات الحكومية والبيئية والمجتمع المحلي من أجل الحفاظ على هذا المعلم والمصدر البيئي المهم. إن اتخاذ خطوات نحو معالجة المياه العادمة، والحد من التلوث، وحماية الموارد المائية في المنطقة يمكن أن يعيد إلى عين نيني وجوارها جزءًا من خصالها وأدوارها البيئية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يحفظ هذا التراث للأجيال القادمة.
هنا يكمن السؤال في قدرة جنين على رسم سياق لنفسها كمدينة عصرية قادرة على توفير مساحات صحيّة وجميلة، وعلى إعادة الاعتبار وصون مبدأ أن الوادي وعيون المياه هي أمكنة حيوية مفتوحة وواسعة ومنسجمة مع يوميات الحياة حيث وتوفر الماء العذب والصالح للاستخدام البشري والطيور والحيوانات ومن أجل الزراعة. يشتد هذا السؤال تعقيداً مع الواقع الملموس حيث يتم بتر فكرة عين الماء من جغرافيا المدينة، خلافاً للشعور الإنساني المنسجم بالأساس مع ضرورة وجود البحر أو النهر أو الوادي في تركيبة كل مدينة أو قرية. فمن غير المعقول أنه وبينما الوادي وعين الماء والنبعة هم ركائز أساسية في التراث الشعبي الغنائي لمجتمعنا الفلسطيني، حيث لا تكاد توجد أغنية لا تشير لعين ماء أو وادي أو بستان، وفي ذات الوقت، تغرق مدننا وقرانا بالإسمنت والبنايات العالية في حالة تصادم مع الطبيعة وتهشيم لبساطة وجمال المكان الحيوي الذي كان.